لم يعد الجدل السياسي في فرنسا يقتصر على الهجرة أو الأمن أو الهوية الوطنية، بل امتد في الأشهر الأخيرة إلى ما يوضع على موائد الفرنسيين، في مشهد يعكس انقساماً ثقافياً متزايداً بين رؤيتين مختلفتين للمجتمع الفرنسي.
ففي الوقت الذي تشهد فيه سلسلة مطاعم “ماستر بوليه” المتخصصة بالدجاج الحلال توسعاً سريعاً في الضواحي والأحياء الشعبية، أصبحت موائد “الكانون الفرنسي” التي تحتفي بالنبيذ واللحوم التقليدية والأغاني الشعبية الفرنسية رمزاً مضاداً لدى شريحة أخرى ترى في هذه الفعاليات دفاعاً عن التراث المحلي ونمط الحياة الفرنسي التقليدي.
وأشعل افتتاح فرع جديد لـ”ماستر بوليه” في مدينة سانت أوان جدلاً سياسياً واسعاً بعدما حاول رئيس البلدية الاشتراكي كريم بوعمران منع افتتاحه، منتقداً انتشار ما وصفه بـ”الأطعمة غير الصحية”. لكن معارضيه رأوا في موقفه استهدافاً غير مباشر لنمط استهلاك منتشر في الأحياء الشعبية التي تضم أعداداً كبيرة من السكان المنحدرين من أصول مهاجرة، ليتحول الخلاف سريعاً إلى معركة سياسية حول الطبقات الاجتماعية والهوية الثقافية.
ويقف خلف “ماستر بوليه” رجل الأعمال الفرنسي من أصول جزائرية شعيب بن بكير، البالغ من العمر 33 عاماً، والذي نجح خلال سنوات قليلة في بناء واحدة من أسرع سلاسل المطاعم نمواً في فرنسا. ويعتمد نموذج مطاعمه على الدجاج الحلال منخفض السعر واستهداف الشباب وسكان الضواحي، ما مكنه من توسيع شبكته إلى عشرات الفروع وتحقيق ملايين اليوروهات من الإيرادات السنوية.
في المقابل، تتعرض فعاليات “الكانون الفرنسي” لهجمات متكررة من أوساط يسارية ووسائل إعلام تتهمها بالترويج لخطابات محافظة أو قومية، خصوصاً بعد دخول رجل الأعمال المحافظ بيار إدوار ستيرين كمساهم في الشركة المنظمة. وأصبحت هذه الولائم، التي تدور حول اللحوم التقليدية والنبيذ والمنتجات المحلية، رمزاً لدى مؤيديها لما يعتبرونه “فرنسا العميقة” المرتبطة بالأرياف والتراث المحلي.
ويرى مراقبون أن ما يجري يتجاوز بكثير مسألة مطاعم الدجاج أو الولائم الشعبية، ليعكس صراعاً أوسع حول هوية فرنسا ومستقبلها. فبينما يعتبر البعض انتشار مطاعم الحلال دليلاً على التحولات الديموغرافية والثقافية داخل المجتمع الفرنسي، يرى آخرون أن التمسك بالمطبخ التقليدي الفرنسي أصبح بدوره تعبيراً سياسياً عن الدفاع عن الجذور الثقافية للبلاد.
وهكذا، تحولت الأطباق والوجبات في فرنسا إلى رموز تتجاوز قيمتها الغذائية، لتصبح جزءاً من معركة أيديولوجية محتدمة بين رؤيتين مختلفتين لفرنسا .

