صدر عن اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تقريرها الدوري الجديد، الذي يرصد تطورات أوضاع حقوق الإنسان في البلاد خلال الفترة الممتدة من 8 ديسمبر 2024 حتى 31 يناير 2026. ويُعد هذا التقرير جزءًا من التقارير التي تقدمها اللجنة بانتظام إلى مجلس حقوق الإنسان لمتابعة الانتهاكات المرتكبة في سوريا منذ عام 2011.
ويستند التقرير إلى أكثر من 500 مقابلة إضافة إلى تحليل وثائق وصور وفيديوهات وصور أقمار صناعية ومعلومات مقدّمة من منظمات دولية وغير حكومية، بهدف توثيق الانتهاكات وتحديد أنماطها والمسؤولين المحتملين عنها.
ويعرض التقرير صورة شاملة عن الوضع في سوريا خلال المرحلة التي أعقبت سقوط الحكومة السابقة في ديسمبر 2024، مشيرًا إلى أن البلاد دخلت مرحلة انتقالية معقدة تتطلب تحقيق عدة أهداف في وقت واحد، بينها استعادة الأمن، وإعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة والمساءلة عن الانتهاكات، إضافة إلى المصالحة الوطنية.
كما يتناول التقرير التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025، بما في ذلك تشكيل مؤسسات حكومية جديدة ومحاولات إعادة بناء أجهزة الدولة، في ظل استمرار وجود قوى مسلحة متعددة داخل البلاد، إلى جانب تدخلات عسكرية خارجية أثرت على الوضع الأمني والإنساني.
ويوثق التقرير سلسلة واسعة من الانتهاكات خلال الفترة المشمولة، بينها عمليات قتل جماعي وعنف طائفي واعتقالات تعسفية وتعذيب في مراكز الاحتجاز وعمليات خطف وعنف جنسي، إضافة إلى انتهاكات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وهجمات عسكرية أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين.
ويشير التقرير إلى موجتين كبيرتين من العنف في عام 2025. الأولى وقعت في مناطق الساحل السوري في مارس، حيث اندلعت أعمال عنف واسعة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، وأسفرت – وفق ما وثقته اللجنة – عن مقتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى عمليات إعدام ميدانية ومداهمات للمنازل ونهب وتدمير للممتلكات. كما سجل التقرير حالات تهجير واسعة للسكان وخطاب كراهية ذي طابع طائفي رافق بعض تلك الهجمات.
أما الموجة الثانية من العنف فشهدتها محافظة السويداء خلال عام 2025، حيث اندلعت اشتباكات دامية بين مجموعات مسلحة وقوات أمنية، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين ووقوع عمليات قتل وخطف واشتباكات داخل المناطق السكنية. ولفت التقرير إلى أن هذه الأحداث كشفت هشاشة الوضع الأمني واستمرار انتشار السلاح وتعدد الجهات المسلحة في البلاد.
كما تناول التقرير عمليات اختطاف النساء والفتيات التي انتشرت خلال عام 2025 في عدة مناطق سورية، حيث وثّقت اللجنة حالات خطف تعرضت خلالها بعض الضحايا للعنف الجنسي وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، إضافة إلى ضغوط تعرضت لها بعض العائلات لعدم متابعة القضايا أو نشر المعلومات عنها.
وفي جانب آخر، أشار التقرير إلى انتهاكات تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات في أعقاب سقوط الحكومة السابقة، حيث فرّ سكان من بعض القرى، وتعرضت ممتلكاتهم للنهب أو المصادرة أو التدمير، في حين واجه بعض السكان صعوبات في العودة إلى منازلهم بسبب المخاوف الأمنية أو النزاعات على الأراضي.
كما تطرق التقرير إلى العمليات العسكرية الخارجية داخل الأراضي السورية، بما في ذلك الضربات الجوية التي تنفذها إسرائيل ضد أهداف داخل سوريا. وأشار إلى أن بعض هذه الهجمات أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية، داعيًا جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني واتخاذ التدابير اللازمة لحماية المدنيين.
وفي تقييمها العام، ترى اللجنة أن سوريا لا تزال تواجه تحديات إنسانية واقتصادية كبيرة، حيث يحتاج نحو 16.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية في ظل الفقر وضعف الخدمات الأساسية واستمرار النزوح.
ودعت اللجنة السلطات السورية والمجتمع الدولي إلى تعزيز جهود العدالة الانتقالية وضمان المساءلة عن الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، ودعم المصالحة المجتمعية، مؤكدة أن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات دولة تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان لجميع السوريين دون تمييز.

